فخر الدين الرازي

342

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة ، كما أن الشمس في الحسبان أدخل ، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر ، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في حساب الزيج . ثم قال تعالى : [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 7 ] وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) ورفع السماء معلوم معنى ، ونصبها معلوم لفظا فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله : رَفَعَها كأنه تعالى قال : رفع السماء ، وقرئ وَالسَّماءَ بالرفع على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [ الرحمن : 5 ] وأما وضع الميزان / فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ [ الحديد : 25 ] ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله : عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 2 ] وَوَضَعَ الْمِيزانَ مثل : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ فإن قيل : العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة ، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء ؟ نقول : النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في الشيء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة ، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلو لا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر ، فكما أن العقل والعلم صارا سببا لبقاء عمارة العالم ، فكذلك العدل في الحكمة سبب ، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما . ثم قال تعالى : [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 8 ] أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وعلى هذا قيل : المراد من الميزان الأول العدل ووضعه شرعه كأنه قال : شرع اللّه العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل ، هذا هو المنقول ، والأولى أن يعكس الأمر ، ويقال : الميزان الأول هو الآلة ، والثاني هو بمعنى المصدر ومعناه وضع الميزان لئلا تطغوا في الوزن أو بمعنى العدل وهو إعطاء كل مستحق حقه ، فكأنه قال : وضع الآلة لئلا تطغوا في إعطاء المستحقين حقوقهم . ويجوز إرادة المصدر من الميزان كإرادة الوثوق من الميثاق والوعد من الميعاد ، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن . والوجه الثاني : ( إنّ ) ( أن ) مفسرة والتقدير شرع العدل ، أي لا تطغوا ، فيكون وضع الميزان بمعنى شرع العدل ، وإطلاق الوضع للشرع والميزان للعدل جائز ، ويحتمل أن يقال : وضع الميزان أي الوزن . وقوله : أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ على هذا الوجه ، المراد منه الوزن ، فكأنه نهى عن الطغيان في الوزن ، والاتزان وإعادة الميزان بلفظه يدل على أن المراد منهما واحد ، فكأنه قال : ألا تطغوا فيه ، فإن قيل : لو كان المراد الوزن ، لقال : ألا تطغوا في الوزن ، نقول : لو قال في الوزن لظن أن النهي مختص بالوزن للغير لا بالاتزان للنفس ، فذكر بلفظ الآلة التي تشتمل على الأخذ والإعطاء ، وذلك لأن المعطي لو وزن ورجح رجحانا ظاهرا يكون قد أربى ، ولا سيما في الصرف وبيع المثل .